لماذا كل هذا الترويج لأهل الفن؟
لوحات إعلانية تقاس بالأمتار العديدة تحمل صورهم البسّامة، مزروعة في كل المفارق والطرقات صور "مبثوثة" في هواء التلفزيون، منقوشة على الجدران، معلقة تحت الجسور.
فلان، بكامل قيافته يعلن عن حفلة في مكان ما، فلانة بكامل غوايتها تعلن عن ولادة عبقريتها العجيبة!
أليس من حرمة للطرقات؟ لماذا لا يؤخذ رأي المواطن الذي يعيش نهاره على تلك الدروب، إذا كان يتلذّذ بهذه المشاهد أم يفضل الرؤية أمامه منقشعة؟
وأن من يرى هذا الطوفان من صور المغنين والمغنيات يحسب أن كل المشاكل العويصة قد حلّت والكهرباء صارت تزور منازلنا في الحر القاتل، والمياه كذلك، والفقر غادر نهائياً والكل ينعم بالرخاء، والحريات مزدهرة تماماً، فلا أحد يعتقل على الشبهة، ولا قبضات صلبة تكمّ الأفواه ولا هراوات تصدّع الصدور، ولا عصيّ تنكس اللافتات والجباه رغماً عن الريح!
كل شيء بألف خير، الجمهورية يسوسها العدل، وبيت مال اللبنانيين لكل اللبنانيين بلا استثناء، فلا تسوّل ولا متسولون، ولا ضحايا ولا نشّالون، اللبناني ينام وبيته مفتوح لا لأنه آمن، بل لأن بيته لا شيء، فيه يغري اللصوص.
حالة فصام حقيقية بين الشارع والبيت، بين الإعلانات والناس. السيّاح باتوا يظنّون أن جميع اللبنانيين مطربون وراقصون وعمال ترفيه، نتيجة ما يرونه في الإعلام الصادر عن هذه الجمهورية والمبثوث في فضاءات العرب والعالم في حالة تشبه الكباريه الواسعة.
جمهورية تتقدم بكامل جغرافيتها إلى خطوط التماس مع الموت، وتذهب بكل أبنائها إلى مجاعة ستأكل الأخضر واليابس.
جمهورية تنوء وتموء تحت وطأة الديون، والعسكرة تكاد تلتصق بمقاعد القرار، جمهورية تتسوّل على أبواب السفارات، وقشورها بهرج وغناء وسهرات صاخبة.
جمهورية معتقلة مصادرة والحرية فيها مقصوصة الجناحين، وكلنا شهود نستغرق في الفرجة، والعالم يتفرج على قهرنا وضياعنا ويمعن فينا قهراً وتضييعاً.
أمس رأيت المتسولين يخرجون إلى الطرقات فيهشمون لوحات الإعلان ويرفعون لوحات جديدة كتبوا عليها بالخط العريض: أنقذونا من الجوع والقهر، أو نخرج على العالم شاهرين أطفالنا العراة.
متى رأيت هذا؟ متى سأراه؟
12- 9-2001
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق