يختلط علينا الأمر، هذا وطنٌ أم حقل ألغام؟!..
زعامات سياسية ومسؤولون أم قبيلة من الديكة تتناقر وتتناهش وتتذابح وتتناطح، وحين ينجلي غبار معاركها نكتشف أننا نحن الذين تعرضنا وحدنا للنهش والركل والضرب والاختناق!..
هذه جمهورية أم غابة!..
الفقراءُ أرانب الحياة،.. فئران التجارب والمختبرات،.. ما أروع القبور، وحدها بيوتٌ لا يقصدها جباة الهاتف والكهرباء،.. ولا تصل إليها محطات الأخبار،.. ولا يصحو قاطنوها صباحاً ليكتشفوا أن شمس الفرح لا تصل إليهم إلاّ بمرسوم،.. وأن الرزق لم يعدْ من عند الله،.. بل صار من عند الوزير فلان والمسؤول علتان!..
هذه دولة أم مسرح يختص بالعروض السوريالية والفانتازيا،.. على المنصة خطابات تعدنا بالعسل والزبيب، وفي الكواليس مخالب تتوعدنا بالانقضاض على ما تبقى من أجسادنا وأرواحنا الناحلات.
على المنصة وزيران يتصارعان على من يحبنا أكثر، ومن يريد مصلحتنا أكثر، يتلاكمان،..
يتعاضضان،.. وفي الكواليس يجتمعان معاً ليتبادلا الأنخاب ويتعاضدا على سحقنا!..
على المنصة جنازة لنائب رائع الصيت، تمر محفوفة بالهيبة وقصائد الرثاء،.. وفي الكواليس تتطاحن القبيلة على ولاية العهد،.. ومن سينوب عن المرحوم في قيادة اللاءات في زمن النَعم..
على المنصة تظاهراتٌ تندّد بالإرهاب والقمع،.. وفي الكواليس شبّان تقاد معصوبة الأعين إلى المعتقلات ومقصّات تمارس سطوتها على الحناجر والألسنة والعيون!..
على المنصّة يقاتل المعارضون الموالين،.. يتساببون،.. ينشرون الغسيل الوسخ،.. وفي الكواليس يتعانقون ويبوّسون اللحى والشنبات..
على المنصة حياة لا تشبة الحياة،.. وفي الكواليس واقع لا يشبه الواقع،.. ونحن كالعادة ملزمون بالتصفيق الحار لكل المشاهد التي يقدمها لنا مسرح الوطن،.. وإلا كنّا مواطنين لا يقدرون جيداً مواسم الإبداع، ولا يعترفون بالجهود الإخراجية التي بذلتها وتبذلها وزارات الثقافة والإعلام والأمن التي تعاقبت على تحويل الجمهورية إلى منارة في محيطها المطفأ!..
كأننا الصدى المعطوب، لكل ما يجري على المنصات،.. ويقع في الكواليس،.. تكولَستْ بيوتنا،.. تمسرحنا إلى درجة أن الأب يمثل على أولاده أنه قادر عل اجتياز المرحلة،.. والأم تمثل على أبنائها أنها لا تزال تحتفظ في صدرها بحديقة قادرة على احتضانهم،.. والأبناء يمثلون على الأبناء،.. هذه الغابة /الوطن/ الجمهورية/ حقل الألغام/ المسرح المختل/ حوّلنا إلى وحوش بلا أنياب،.. وحوش في أعماقها الرغبة في أن تفترس حتى مراياها، كي لا يفاجئها المستقبل بالكوابيس الأشد حلكة!..
والأيام الأكثر مرارة وهذياناً!
ولكثرة ما ندور في دوامة اللامعقول، تحولنا إلى قطيع من الحالمين الأغبياء،.. نصدّق الوعود ونتحرّق للبدائل،.. ونمارس السجود المتواصل أمام حزام الأمل الذي لا يتسرب منه سوى اليأس.
الذين جرّبوا تخليصنا من الكارثة فشلوا،.. وحين اختل الأمن الوطني،.. استعّنا ببيارق الآخرين، وجلسنا سعداء لنسمع : كش ملك فنقوم إلى تعظيمٍ جديد..
وحين تخدرت جغرافيا الجوار من حقول انتشائنا،.. أحرقوها وأجبروننا على زراعة الانتظار والصبر..
أظنهم اليوم يتوصلون إلى حلّ ناجحٍ..
هو واحد من إثنين: أما استبادلنا بشعب أكثر بلادة ومقدرة على احتمال الصبر،.. أو استيراد دولة أكثر مقدرة على احتمالنا واحتضاننا كالمواليد الجدد!..
كل شيء قابلٌ للتحقيق،.. لم يعد خلافنا على الأرض،.. على الحقول،.. على ألوان الراية،.. وعدد المجنسّين،.. خلافنا الأوحد فقط على ساعة موتنا..
من يحدّد التوقيت،.. ويرسم لنا طقوس العزاء!.
بيروت 2007
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق