من أنا

صورتي
السعودية, الرياض, Saudi Arabia
أنا ألف مخلوق غريب في جسدْ.. أنا كل هذا الكون حينا..ثم حينا.. لا أحــــــدْ.

الأربعاء، 1 يونيو 2011

لبنان ليس أكثر من "بابل" معاصرة لايفهمها أحد .



يرضيني جدا أنني رجلٌ من حروف .
أن أمي ولدتني مجرد قطرة من حبر ، وأنني في كل يوم كنت أزداد قطرة ، حتى غدوت في مراحل النضج بحيرة بلا ضفاف
وبلا حدود .

يرضيني أن جسدي ورقة ، وقلبي محبرة ، وشراييني سطور تمتد من أول النبض حتى آخر الشهقة .
وأنني لا أمشي على قدمين ، ولا أسطر بأناملي كتاب البوح على جدران الزمن .

أنا قليلا ما شعرت أن هذه الأرض إسفلت وتراب ..
دائما أشعر أنها كتاب من ورق أبيض صقيل ، وأنني في كل خطوة أدوّن بماء العين أو ندى الروح وردة هنا ، وحقلا هناك .
وأنني أرى الشجرات فواصل ، والنهر علامة اعتراض ، والليل إشارة تعجب ، وحين أتأمل مرايا الآخرين أكتشف أنها علامة استفهام بحجم الحيرة والهروب إلى الداخل الذي يعاني منهما
الجميع .

من هذا المنطلق أتعامل مع كل ما يحيط بي ، أرى الناس حروفا ، أركب منها عبارات وجملا على مزاج قلبي ، وأبذل كثيرا من الجهد لأضفي على جمودها إيقاعات الحلم ، وشذى المصابيح .

ومن هذا المنطلق أرى الوطن كتابا ، بغلافين وكثير من الأبواب والفصول ، وعلامات الترقيم ، لهذا أتعامل معه بقلمي ، تماما كما أتعامل مع ذاتي ، ولهذا أبذل كل جمر اللهفة ، كي أراه مضيئا وساطعا ، كي أستبدل عتمه الطارئة بألف شمس تندلع من أصابع المستحيل .

أنا هكذا ، وأعرف أن كثيرين لا يعجبهم أنني قارىء لعينٌ لما وراء القشور ، ولما هو أبعد من كل التفاصيل ..

أقرأ الوجوه لا كما هي ملونة ومبرقعة ومقنّعـة ، أقرؤها بإحساس من يقرأ القلوب ، ويكتشف خبايا النفس والعيون ، وهذا يجعل الآخرين بعيدين عن فهمي ..

هل ضريبة القراءة الحية ، أن يضع عليك الآخرون إشارة إكس ، أو يرونك بين معترضين .

لا أرى لبنان وطنا سياسيا أبدا ، أراه ورقة كانت بيضاء ، وقرر شعب لبنان أن يمارس الكتابة كله بلا استثناء ، فكتبتْ كل فئة أهواءها على السطور ، وحين ضاقت الصفحة ، ولم يستخدم أحدهم ممحاة واحدة لتوسيع المكان لفكر جديد ، تداخلت الكتابات ، وانعدم الوضوح ، وصار لبنان ورقة زرقاء وحمراء وصفراء وألوان لا حصر لها ولا هوية ، فغدا لا يشبه القصيدة ، ولا الحكاية ولا النص الصحفي ولا الخاطرة ، ولا حتى اللوحة المفهومة ، غدا ورقة تحتاج إما للرحمة ، أو الاستبدال أو الحريق .
رحمك الله يا عاصي الرحباني ، لمذا لم تعط قلمك لسواك ، لماذا لم تجعله تركة للضوء ، يستنسخه من بعدك العقلاء ، ليستعيدوا لبنانك أنت .
فقط لبنانك كان القصيدة والنغمة والنشيد ..
لبنان اليوم ليس أكثر من "بابل" معاصرة ، لا يفهمها أحد .

بيروت 2005

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق