الرائع حتى الآن،.. أن أحدهم لم يعمدْ إلى تقنيين كهرباء اللغة،.. ولا حاول حساب فواتير عدّادات الروح،.. وفولطات المشاعر،.. أو فكّر بتسريح ومحاسبة موظفي القلب بتهمة التقصير في تدفّق النبض،.. أو التبذير في الناتج الحيوي للأحاسيس!..
الرائع أنهم لغاية اللحظة لم يفكرّوا بافتتاح وزارة للكلام،.. وأخرى للقلوب، وثالثةً لتدبير شؤون الأرواح الهائمة في وطن قبضوا بالجرم المشهود على نصفه يسرق نصفه الآخر!..
وحين فعلوا ألزموا الضحيّة حفاظاً على وجه الوطن بدّيةٍ تدفعُها للمضحّين، كي لا يختل توازن الأرائكِ الحاكمة!..
للأرائك قيمةٌ عليا في وطن يجلس رعاته على كرسي السلطة المذهّب،.. ويتركون الرعية تتلقّط رزقها من بذخ الحاويات..
وللحاويات أنواعها في وطن منتوجه من الفضلات يعادل أضعاف استهلاكه من كل شيء!..
الحاويات الخضراء المزروعة في زوايا كل الشوارع تقريباً رائعةٌ جداً،.. لأنها أولاً تؤكد إخضرار بيروت. ولأنها ثانياً تؤمن العمل لمئات العاملين،.. ولأنها ثالثاً وهذا هو الأهم تقدم وجبات لا بأس بصلاحيتها للجائعين وما أكثرهم في بلدٍ قد يتناول أثرياؤه وجبة طعام واحدة بمبلغ يعادل راتباً شهرياً لكثير من الموظفين!..
وقد تشتري بعض نسائه قميصاً وحذاءً بمبلغ يعادل أجر سنة كاملة لموظفةِ محل بيع الألبسة!..
ثمة حاويات أخرى تنبت في الخفاء،.. ألوانها ليست خضراء دائماً، ومحتوياتها ليس بالضرورة أن تكون من سلالة القمامة. إنها حاويات الوزارات، وحاويات مكاتب النوّاب والمسؤولين الكبار،.. وهي لا ترقد على الأرصفة مثل حاويات المواطنين،.. ولا يمكن لأي كان العبث بها والتسلل إلى كنوزها، فلكل حاوية شيفرتها الخاصة وموظفوها الخاصون، وحرّاسها الأخصاء. وقد نجد في بعضها جمهورية من التقارير،.. وجمهرة من طلبات التوظيف، وشعباً من الشكاوى،..
وفواتير لا عدد لها تقدم صورة مأساوية عبر معاناة أصحابها، وهم يدفعون المبالغ الطائلة لتحسين صورة المؤسسات،.. وغسل الولائم، وجينات الفساد، وصبغيات الرشاوي،. وسلالة الهدايا الفاخرة،.. وقد نجد مواطنين أيضاً مرميين هناك في أكياس من النايلون الأسود الأنيق،.. وقلوباً خامّة،.. ودوماً يخلّدون أمام البوابات التي لا يعبرها مواطن إلا بالتوصيات من زملاء النفوذ!..
إنها حاويات من النوع الفاخر جداً. لهذا لا ترمى محتوياتها في المكبّات التي لعموم حاويات الوطن المتأهب لدخول كيس عتمته الأسود، كي تأتي عربة ما،.. تحمله إما إلى حاوية الموت،.. أو إلى الثورة على نظام الأكياس!..
أظن خلال مرحلة ما قبل الانتخابات، سينعم فقراء وجائعوا هذه البلد بأيام عديدة من الشبع الجميل،.. فقط عليهم اكتشاف برنامج الولائم الكبرى التي يقيمها المرشحون وزوجات المرشحين والمسؤولون وزوجات المسؤولين استعدادا ليوم الفصل..
وعليهم ترصّد حاويات الفنادق والمطاعم بعد انتهاء الولائم الدسمة ،أظنهم سيجدون في تلك الحاويات الكافيار والسومو وأطعمة لم يتعرفوا على أسمائها بعد،.. وقد يعثرون على وسام، سقط سهواً من حقيبة الأوسمة الجاهزة دائماً للتدفق المجاني،.. فيحملونه راكضين إلى أول مسؤولٍ مبتسم يصادفونه كي يصحح مسؤولو الوطن غلطتهم الكبرى،..
لأن حاويات الوطن وروّادها، لن تشبعهم أبداً، وترد جوعهم المعاصر، كل وجبات الأوسمة والنياشين.
بيروت 2007
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق