كنا نرتاح للدفتر الصغير الذي نختاره بحرص وشغف لكي ندون عليه أرقام الهواتف التي تخصنا ، وتهمنا ونحتاج إليها .
أحيانا نستخدم دفاتر أكبر للمكتب ، أو حتى للبيت حين يكون فائض الأصدقاء والمحبين كبيرا ، والاحتفاظ بأرقام هواتفهم ضرورة أكيدة وملحة دوما.
منذ اخترعوا الجهاز الخلوي ، انكسر بريق الورق ، صار الجهاز ذاته دفترا للأرقام ، وصار الاستخدام السهل لهذا الجهاز ، يصيب أولا ذاكرتنا بالخمول ، ثم انسحبت الدفاتر الورقية إلى النسيان حتى ألغيت تماما من قاموس مواعيدنا .
ذاكرة الخلوي صارت ذاكرتنا ، الأرقام القريبة للقلب ، الماسجات الحالمة ، الرسائل القصيرة ، كلها موجودة في ذاكرة سريعة الاستدعاء .
وأبتعدنا عن الورق ، والتذكر الشفاهي ، صرنا بكبسة زر نستعيد الأرقام والأسماء واللحظات الحميمة ، وحتى المواعيد الهامة التي مررنا بها .
ولأنني ابن العصر ، استبدلت دفاتري بالنوكيا ، وذاكرتي بالميموري ، وركنت كما كل الآخرين للرضوخ لسطوة هذا الجهاز وسيطرته على كل ذكرياتي العابرة ، تماما كما استسلمت لحضور الكمبيوتر في بيتي ومكتبي ، وأستغنيت عن الورق في الكتابة والأرشفة كذلك .
ثم فجأة يختفي جهازي الخلوي ، يضيع في لحظة تخل ربما ، أفقده فلا أراه ، لأكتشف أنني أجهل كل الأرقام التي كانت ترافقني كل اللحظات ، أنني ضيعت معه عناوين حتى الأشقاء والأقارب والصديقات ، وزملاء وزميلات العمل .
اكتشفت أنني أقف بلا أحد ، أكثر الكلمات حرارة التي كانت تصلني أو أرسلها عبر الماسج ، ضاعت ، مواعيد كنت قد حددتها ، نسيتها تماما .
صحيح أنني استعنت مباشرة بجهاز بديل ، لكن ذاكرتي كلها كانت مع الجهاز الذي قرر الاختفاء والتلاشي ، الذي قرر أن يضعني أمام التجربة الصعبة .
صرت أفتش في أجهزة الأصدقاء وزوجتي عن أرقام كانت جامعة بين أجهزتنا ، أفتش في القصاصات والدفاتر العتيقة عن أرقام قريبة إلى القلب ، من مئات الأسماء لم أستعد العشرات .
يرن هاتفي فلا أعرف الأصوات ، مع أنها كانت البارحة معروفة ، كان الجهاز يساهم في رسم الصورة واسم المتصل ، اليوم أرقام بلا أسماء ، وعلي البدء من جديد ، لكنني قررت أن أدون كل رقم على دفتر للعناوين اقتنيته البارحة ، ثم نقله إلى الجهاز ، وهكذا لن يهمني مطلقا لو سرق جهازي الجديد أو ضاع ، طالما أنا عدت قانعا تماما بأن الورق خير حافظ للذكريات ، والنبض والأصدقاء .
عاش الورق ... يسقط الميموري .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق