سألتني إحدى القارئات: لماذا تكتبون،.. وهل هناك من يقرأ في هذا العصر الذي خطابه الوحيد هو الصورة؟!
سؤالها الحذق وضعني أمام أسئلةٍ عسيراتٍ، كان عليّ أن أجيب كتابةً لأكسر ضجيج الصورة بسَكينة القلم، وأنتَ مثلي معني كذلك بالإجابة،.. وغيرنا الكثيرون.
لعلنا نكتبُ كي لا نموت،.. نكتبُ كي ننقّي الأزمنة من غبارها،.. وكي نجعل الفضاءات أكثر عرياً أمام مرايانا الداخلية،.. نكتبُ كي يتابع نهرُ الحياة طريقه إلى مصبّات أرواحنا،.. كي تنفتح في ذاكرة الريح بحيرات الشذى،.. كي نجاهرَ بالأمل في زمن كواتم الصوت،.. ونحمل إلى الذرى أشجار الوديان لتكون رسائلنا المفتوحة إلى الكواكب المجاورة،.. أذرعتنا الممدودة إلى خلجان الغيم،.. وجوهنا المتعبة وهتافنا المدوي؟!..
نكتبُ كي نحرّر كلَّ صباحٍ وثيقة انتمائنا إلى نهارٍ قد يحمل حقائبه يوماً ولا يعود،.. كي نوثـّق أرشيف النبض، ونؤكد مصداقية الرجاء،.. نكتبُ كي يقرأنا الآخرون، لأنهم أوراقنا التي كانت بيضاء قبل أن نستبدل نحن قلوبنا بالمحابر،.. وأصابعنا بريش عصفور الكلام!..
نكتبُ كي نستقوي على الضعف،.. ولكي نبعث النائم إلى الصحو،.. والراقد إلى التحليق،.. والمكسور إلى القيامة!..
ألسنا حروف العالم،.. ألسنا كلمته القدّوس،.. قالها فـــكنّا،.. ألا نشكّل جميعنا كبشر ما كتبه الله على صفحة هذا الكوكب،.. بعضنا يندثر تماماً كالحروف التي لا يشكل اجتماعها جملةً مفيدة،.. وبعضنا يبقى لأنه المعنى والمبنى،.. اجتمعا على سطرٍ مضيءٍ لا تحدّه الفواصلُ والنقاط!
نكتبُ إذاً، كي لا نموتَ إذا غيبتنا المقبرة،.. كي لا يذوي القارىء،.. إذا طوته المسافة الواقعة بين الولادة والرحيل!..
أهمس إليك صديقتي القارئة:
لم أتوقف عن الكتابة والحب،.. لهذا ترين نبضي على الورقة،.. لن أتوقف عن الشوق،.. لهذا تريني أندلعُ كعصفور عاشقٍ في سماء الآخرين ،كلما إشتقت إلى الصفاء،.. لن أتوقف عن الأمل،.. لهذا تريني أمدّ إلى عنق المسافة أنشوطتي،.. وأقتل الغربة بمديةِ اللهب.
بيروت 2008

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق