قبل أعوامٍ، كان واحدنا يتقاضى أجر عمله بضع ليرات وكانت تكفيه لحياة كاملة.
يدفع أجرة البيت،.. مصروف المدرسة، نفقات الطعام، ثمن الملابس الجديدة،.. وقد يسهر خارج المنزل أربع مرات في الشهر، ولا يشعر رغم كل ذلك بضيق مادي فيلجأ إلى الإستدانة من البقال واللحام والسوبر ماركت، كنا سعداء جداً، حساب السوق ينطبق تماماً على حساب الصندوق، والناس تعيش بساطتها بكل شفافية وارتياح.
فما الذي تغيّر اليوم؟!.. تضاعفت الأجور عشرات المرات،.. وهي في ذلك تتوازن مع ارتفاع أسعار ما كنا نشتريه في الأمس، ورغم ذلك فقدنا بوصلة التوازي ما بين ما نجنيه وما ننفقه، اصطدمنا بجدار الحاجة والضيق والإستدانة، ولا أظن السبب مادياً على الإطلاق، ما تغير هو نفوسنا نحن،.. قناعتنا لم تعدْ كما كانت، صارت قناعاتنا مقتبسة من خارج، لم تعدْ من الداخل أبداً، لهذا لم يعدْ يتشابه المرء ما يقتنع به، لم يعدْ هناك توازن حقيقي بين الإكتفاء والتشّهي!..
أذكر بيتنا القديم،.. كنا نستخدم مقاعد غرفة الصالون لعشرين سنة أو أكثر،.. والستائر كذلك وسائر العفش،.. اليوم يستبدل واحدنا عفش بيته مرة كل ثلاث سنوات أو أقل، يستبدل سيارته مرة في السنة،.. وهاتفه الخلويّ كل بضعة شهور،.. اليوم صارت النساء محتاجات إلى أزياء موسمية، إلى مساحيق مختلفة،.. إلى خادمات من كل أقطار الأرض، ليس لأنهن كسولات وعاجزات عن القيام بواجباتهن المنزلية، بل لأن الموضة المعاصرة صارت تحدد مقاييس المرأة العصرية،.. أزياء آخر موديل،.. وسيارة وخليوي وخادمة، وبعضهن يستخدمن السائق الخاص،.. والبادي غارد، ولا يقتنين ملابسهن إلاّ من بلاد المصدر، ولا يتسوقن إلاّ من الشانزليزيه،.. ولا يصطفن إلا في لوس أنجلوس أو لندن أو جزر الكاريب!..
كان أجمل اصطياف للأسرة اللبنانية أن تخرج للبحر أو إلى الجبل، اليوم تستدين الأسرة، وتوفّر، وربما تجوع لتصطاف خارج البلد، لأن الجيران فعلوا ذلك!..
لم يتغير شيء من خارج النفس،.. النفس هي التي تغيّرت هي التي لم تعدْ تكتفي بالقناعة، فأوصلت أصحابها إلى ضياع مستبد.
عقلية الإستهلاك التي صارت تتحكم بالغالبية من الناس،.. هي التي ترفع عالياً عالياً لافتة العجز الاقتصادي، ولو أننا وظفنا المنطق لإدارة شؤوننا المالية في كل أسرة.
لاكتشفنا أن كثيراً من الكماليات هي التي تستنزف اقتصاد البيت!..
من يقبل اليوم بغداء قوامه وعاء من المجدرة،.. أو بإفطار عماده منقوشة الزعتر والكشك، الطفل لا يذهب إلى مدرسته إلاّ بقطعتي (كرواسان) وزجاجة عصير، ولا يوصله الأهل إليها ولو كانت على مبعدة أمتار إلاّ بالأوتوكار الخاص،.. والشاب لا يقبل سوى الجامعة الخاصة رغم أقساطها المخيفة،.. والشابة لا ترضى سوى الجينز من أهم الماركات.
إنها مسألة قناعة،.. تبدأ في البيت الصغير،.. لتصل إلى البيت الأكبر الدولة، عندها ربما يحس واحدنا بالرخاء،.. حين يمتلك كنز القناعة الثمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق