لا أدري لماذا يصرّ بعض المشتغلين في الشأن الثقافي على ارتداء وجوهٍ لا تشابه وجوههم،.. وملامح ليست لهم،.. بحجة أن المبدع شخصٌ مختلفٌ عن البشر العاديين؟!..
فتراهم حين يؤمّون مقاهي الأرصفة،.. وهي طبعاً الأماكن الوحيدة التي يجتمعون فيها، يدخلون في عرض كرنفالي متناقض القسمات. بعضهم يتأبط حقيبته التي أكل الدهر عليها وشرب،.. ويطلق لحيته بطريقة عشوائية،.. وآخرون يتأبطون ملهماتهم ومعجباتهم،..
وآخرون يحملون معهم وفي كل يوم كدسة الجرائد والكتب ذاتها التي يحملونها كل يوم،.. وكأ، لكل مبدعٍ منهم عدة شغله الخاصة،.. وهي تختلف عن عدة غيره بالطبع.
وحين يستريحون إلى مقاعدهم الخاصة،.. يفردون على الطاولات بضاعتهم،.. ويتحدثون عن كل شيء،.. عن حال الطقس،.. وعن الغلاء،.. والفياغرا،.. وعن ماذا فعل فلان،.. وماذا قال علتان،.. وقلما تجد واحداً منهم يتحدث عن إبداعه أو إبداع سواه!..
والمضحك في أمر هؤلاء أنهم يعتبرون افتراءهم على بعضهم البعض نمنمةً بيضاء،.. فيقدحون زناد أفكارهم في إبتداع المزيد منها، والأكثر إبداعاً بينهم من يحمل في جعبته كمية أكبر الترهات والأقاويل.
والمضحك أكثر،.. أنهم تعاقدوا على أن يحضروا سويةً في وقتٍ واحدٍ،.. وينهضوا في وقت واحد كذلك،.. كي لا يستغيب الباقون المغادرين! والطريف من أمر مقاهي الرصيف في بيروت أنها مقسمة إبداعياً،..
فالأصيلون، أي الذين يكتبون الشعر الموزون والنقد الأكاديمي يجلسون في الكافي دي باريس،.. والحداثيون يجلسون في (المودكا)، والخارجون عن كلا الطرفين يجلسون في (الويمبي) بعد أن عاد بحلته الجديدة، ربما يعتبرون أنفسهم رعاة ما بعد الحداثة!..
مقهى السيتي كافيه الذي يقبع بعيداً عن شارع الحمراء،.. يؤمّه المثقفون المخضرمون والعجائز،.. وغالباً ما يتسلل إليه بعض المحدثين لإحداث نوع من الاختراق المعاصر.
أجزم أن الإبداع دائماً يكون في موضع آخر،.. عند مثقفين لا يلبسون على ذقونهم لحية كارل ماركس،.. أو على رؤوسهم قبعة انشتاين،.. إنه موجود عند بشرٍ أسوياء،.. يدركون أن عدة الإبداع الحقيقي لا تعرض في "فاترينا" المقهى،.. وأن النميمة بكل ألوانها،.. لا توصل إلى نصٍ أبيض كشمس الصباح!..
2006
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق